النويري

196

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومن إنشاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ من جواب كتبه وصف فيه وقعة ، كتب : ورد على المملوك كتاب المولى يذكر الرّجفة التي سرى منها إلى أسماع الأولياء قبله ما سرى إلى عيون الأولياء بحضرته ؛ وتعاظمهم الفادح الذي هم راسبون في غماره ساهون في غمرته ؛ ووصف عظم أثرها ورائع منظرها ومطعن هدّتها [ 1 ] ، ومزعج واقعتها وفظيع روعتها ؛ واضطراب الجبال وخشوعها ، وانشقاق الأبنية وصدوعها ؛ وسجود الحصون الشّمّ ، وخضوع الصخور الصّمّ ؛ وجأر العباد إلى ربهم لما مسّهم من الضرّ ، ولياذهم بقصده لما دهاهم من الأمر ؛ فوصف عظيما بعظيم ، ومثّل مقاما ما عليه صبر مقيم ؛ وأنذر بانتقام قائم إلا أنه كريم ، وجبّار إلا أنه حليم ؛ فإنا للَّه وإنا إليه راجعون نقولها واضعين الخدود تذلَّلا ، وإنا في سبيل اللَّه وإنا إليه نائبون تخلَّصا ونضمّنها بالقلوب إخلاصا وتبتّلا ؛ وعرف المملوك ما وسع الخلق من معروفه وإرفاقه ، وجبر الحصون من عمارته منازل التوحيد وأوكاره ، بأمواله التي وقفها في سبيل اللَّه وهانت عليه إذ كان على يد البرّ إخراجها ، وكرمت لديه إذ طالبت بها خطرات الشهوات واعتلاجها ؛ واستقرضها من الأرض خراجا ثم وفّاها ما اقترض بعمرانها ، واستخرجها من بطنانها ثم أعادها إلى ظهرانها ؛ وأرساها للإسلام بقواعد حصونها ، وأسناها في يد المسلمين بوثائق رهونها ؛ ولم يزل اللَّه يختصّه بكل حسنة متوضحة ، ويوفّقه لكل صالحة مصلحة ؛ وينعم عليه بالنية الصادقة ، وينعم منه بالموهبة السابغة السابقة ؛ فإن نزلت نازلة من وقائع الأقدار ، وإن [ 1 ] عرضت عارضة من عوارض الأيام ، تلقّاها حامدا ، وأسا جرحها جاهدا ، وعوّل على ربه قاصدا ، وأنفق فيما أصبح منه عادما ما أمسى له واجدا .

--> [ 1 ] كذا في الأصل .